عظات للعلامة أوريجانوس

على

سفر إرميا

العظة العاشرة

تفسير الآيات من:

"والرب عرًّفني فعرفتُ" (إر 11: 18)

إلى:

"اجمعوا كل حيوانِ الحقل. ايتوا بها للأكل" (أر 12: 9).  

1. إذا كان الكلام الموجود في الناموس والأنبياء والأناجيل والرسل، هو كلام الله، إذًا فإن الإنسان الذي يتعلم من هذا الكلام، يجب أن يخص الله بلقب "معلم". لأن الذي يُعَلّم الإنسان المعرفة هو الرب، كما جاء في المزمور(93: 10).

ويؤكد المخلص أننا لا يجب أن نعطى لقب "معلم" لأي إنسان على الأرض: "فلا تدعوا سيدي لأن معلمكم واحد هو المسيح" (مت 23: 8-9). وفى الواقع، فإن الآب الذي في السموات هو الذي يُعَلّم: إما نفسه، أو بواسطة الابن السيد المسيح أو بالروح القدس، أو أيضًا بواسطة بولس أو بطرس أو أي من القديسين الأخرىن، بشرط أن يأتي روح الرب وكلمته لُيعَلّموا. لماذا قلت هذا؟ لأن النبي يقول بالتحديد: "والرب عرَّفني فعرفتُ" أو "عرّفني يا رب فأعرف".

لأنني لن أعرف شيئًا إذا لم تُعَرِفني أنت، ولكن إذا كنتَ قد عُرَفت لأنك عَرَّفتني "فحينئذٍ" سوف أرى "أفعالهم"، وسوف أفهمهم سلوكهم ونياتهم.

هذا ما يقوله النبي. فلننظر بعد ذلك ما يقوله المخلص على لسان النبي: "وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم أعلم. أنهم فكروا علىّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها، ونقطعه من أرض الأحياء فلا يُذكر بعد أسمه" (إر 11: 19). وأيضًا يقول إشعياء النبي عن المسيح: "كشاةِ تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش 53: 7). في هذه الآية الأخيرة، فإن إشعياء هو الذي يتحدث عن السيد المسيح، أما في الآية الأولى التي سبقتها، فإن السيد المسيح هو الذي يتكلم عن نفسه: "وأنا كخروف داجن يساق إلى الذبح ولم أعلم"، فهو لم يذكر ما هو الشيء الذي لا يعلمه. فهو لم يقل: "ولم أعلم الخير" أو "ولم أعلم الشر" أو "لم أعلم الخطية"، وإنما قال فقط "ولم أعلم". وهو بذلك ترك لك مهمة البحث عن الشيء الذي لم يعلمه. ولكي تعرف ذلك الشيء، تأمل هذه العبارة: "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا" (2كو 5: 21).

لأن معرفة الخطية معناها السقوط فيها، تمامًا مثل معرفة الحق أي ممارسته. فإن الإنسان الذي يتحدث عن الحق ولا يمارسه فإنه لم يعرف الحق.        

2. "أنهم فكروا علىّ  أفكارّا قائلين لتهلك الشجرة بثمرها"

إن كان اليهود قد صلبوه، فإن هذا أمر مفروغ منه، ونحن نعلنه بكل تأكيد؛ ولكن كيف نعلمه؟ أو نربط بين هذا الأمر وبين العبارة: "أنهم فكروا علىّ أفكارًا قائلين لنهلك الشجرة بثمرها" أو "انهم فكروا علىّ أفكارًا قائلين هلموا نلقى خشبًا في خبزه" (بحسب الترجمة الفرنسية). إنه موضوع يصعب فهمه! إن خبز السيد المسيح هو الكلمة والتعاليم التي نتغذى بها، واليهود حينما رأوه يُعَلِم بين الشعب أرادوا أن يفسدوا تعاليمه بصلبهم إياه، فقالوا: "لنلقى خشبًا في خبزه". فإن إضافة صلب السيد المسيح إلى تعاليمه هي بمثابة إلقاء خشبًا في خبزه. فإن هؤلاء الناس حينما اجتمعوا فيما بينهم ليتآمروا عليه قالوا: "هلموا نلقى خشبًا في خبزه". أما أنا فإن لي أيضًا -إلى جانب ذلك- رأى مختلف وهو: أن الخشب الملقى في خبزه جعل هذا الخبز أكثر قوة وفاعلية. وسأذكر مثال عل ذلك من شريعة موسى: فإن العصا "الخشب" المطروحة في المياه المرة جعلتها عذبة (خر 15: 25). كذلك فإن "خشبه" حب السيد المسيح حينما أضيفت إلى تعاليمه جعلت خبزه أكثر عذوبة ورقة. وبالفعل فإنه قبل أن يضاف "الخشب" إلى خبزه"، أي في فترة تعاليمه التي سبقت الصليب، فإن أقواله لم تبلغ إلى أقصى المسكونة (مز 19: 5). ولكن بعدما أخذ "الخبز" قوة من خلال "الخشب" المطروح فيه، فإن أقوال تعاليمه بلغت إلى كل المسكونة. إن الخشب قديمًا كان رمزًا لمحبة السيد المسيح التي بها صار الماء المر عذبًا، لأنني اعتقد أن الناموس إذا لم يفهم بالمعنى الروحي فإنه يكون "ماء مر"، ولكن بمجيء خشب صلب السيد المسيح وبمجيء تعاليمه، فإن ناموس موسى أصبح عذبًا وحلوا.

3. ثم بعد هذا القول، يضيفون: "ونقطعه من أرض الأحياء فلا يذكر بعد اسمه". وهكذا فانهم قتلوه بهدف محو اسمه. ولكن السيد المسيح كان يَعْلَم كيف ولماذا يموت. فقد قال عن ذلك : "إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتى بثمر كثير" (يو 12: 24). لذلك فإن موت السيد المسيح أصبح مثل حبة الحنطة التي أتت بأثمار كثيرة مضاعفة. وكذلك فإن السيد المسيح لو لم يكن قد صلب ومات فإن حبة الحنطة كانت ستبقى وحدها ولا كانت الجموع أثمرت منه وتبعته. أما موته فقد أعطى ثمارًا تتمثل في جميع المسيحيين. فإذا كان الموت قد جاء بكل تلك الثمار، فكم تكون بالأكثر القيامة!

4. "فيا رب الجنود القاضي العدل فاحص الكلى والقلب دعني أرى انتقامك منهم". فهو في نبوته يتمنى: أن يرى انتقام الله منهم، فإن أورشليم كانت محاطة بجيوش وكان خرابها قريب (لو 21: 20). وقد قيل لأورشليم أيضًا "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 23: 38).      

" فيا رب الجنود القاضي العدل فاحص الكلى والقلب دعني أرى انتقامك منهم لأني لك كشفت دعواي. لذلك هكذا قال الرب عن أهل عناثوث الذين يطلبون نفسك قائلين لا تتنبأ باسم الرب فلا تموت بأيدينا. لذلك هكذا قال رب الجنود: ها أنذا أعاقبهم. يموت الشبان بالسيف ويموت بنوهم وبناتهم بالجوع ولا تكن لهم بقية لأني أجلب شرًا على أهل عناثوث سنة عقابهم".

إن اسم عناثوث يؤخذ بالمعنى الرمزي وهو يشير إلى اليهود. و"عناثوث" بحسب ترجمة الأسماء العبرية تترجم "مختار". فإن الشعب اليهودي كان هو شعب الله المختار، وكان ملكوت الله أيضًا عندهم. وبخصوص هذا الملكوت فقد تحققت الكلمات: "إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره" (مت 21: 43). وفى هذا أيضًا تحققت الكلمات أن "أهل عناثوث" الشعب المختار، "يطلبون نفسه"، ليس نفس إرميا -لأن التاريخ لا يذكر أن أهل عناثوث كانوا يطلبون نفس إرميا. وفى كتاب سفر الملوك فقد تم الحديث عن إرميا بينما لم يُذكَر عنه مثل هذا الكلام؛ بل وحتى في سفر إرميا نفسه الذي بين أيدينا، لا نجد تهديد قاله أهل عناثوث لإرميا- وإنما قيل هذا الكلام عن السيد المسيح. 

"الذين يطلبون نفسك قائلين: لا تتنبأ باسم الرب"، فلقد منع اليهود السيد المسيح من أن يعلم، "فلا تموت بأيدينا. لذلك هكذا قال رب الجنود ها أنذ أعاقبهم. يموت الشبان بالسيف ويموت بنوهم وبناتهم بالجوع". إنهم لم يهلكوا بالسيف في عهد إرميا وإنما الآن، بعد الخراب، فقد حل أيضًا الجوع عليهم، ليس جوعًا إلى الخبز ولا عطشًا إلى الماء، بل لسماع كلمة الرب (عاموس 8: 11). فإن العبارة التي كثيرًا ما تكررت، وهى "هكذا قال رب الجنود" لم تعد تقال بعد لهم. فالجوع يتمثل في أنه لم تعد توجد عندهم نبوات ولا حتى تعاليم. فإن كلمة الرب قد نزعت من عندهم، حيث تحققت الكلمات: "فإنه هوذا السيد رب الجنود ينزع من أورشليم ويهوذا السند والركن، كل سند خبز وكل سند ماء. الجبار ورجل الحرب. القاضي والنبي والعرَّاف والشيخ. رئيس الخمسين والمعتبر والمشير والماهر بين الصناع والحاذِق بالرقية" (إش 3: 1-3).

لم يعد أحد من بينهم يستطيع أن يقول: "كبَنَّاء حكيم قد وَصَنعْتُ أساسًا" (1كو 3: 10). لقد مضى البناءون وعبروا على الكنيسة، ووضعوا السيد المسيح "كأساس" لها، وأولادهم أيضًا بنوا عليه[1].

5. إذًا، فلقد ترك هذا الشعب وهو في حالة "جوع"، لأنه مكتوب:

"لأني أجلب الشر على أهل عناثوث سنة عقابهم. أبرّ أنت يا رب من أن أخاصمك. لكن أكلمك من جهة أحكامك. لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كل الغادرين غدرًا". ونحن إذ نرى أن طرق الأشرار ناجحة وأن الله لا يعاقبهم، وأن كل الغادرين مطمئنين، نتساءل في حيرة: هل الله الذي أعطى الناموس والأنبياء هو كل ذلك إله صالح؟ فإنه حتى الذين يجدفون على الإله خالق الكون[2] يعيشون "مطمئنين". "غرستهم فأصَّلوا نموا وأثمروا ثمرًا" (إر 12: 1-2). فكم من ثمار جاءت من Marcion ! وكم من ثمار جاءت من Basilide ! وأيضًا من Valentin !

"أنت قريب من فمهم وبعيد من كلاهم"، فهم يعرفون جيدًا أن ينطقوا اسم يسوع، ولكنه ليس في داخلهم لأنهم لا يعترفون به بحسب الإيمان الصحيح.

"وأنت يا رب عرفتني رأيتني واختبرت قلبي من جهتك. أفرزهم كغنم للذبح. خصصهم (طهرهم) ليوم القتل". يقصد بالتطهير عقاب هؤلاء الناس، أي : "طهرهم بقتلك إياهم"، لأن "الذي يحبه يؤدبه ويجلد كل ابن يقبله" (عب 12: 6؛ أم 3: 11).

6. "حتى متى تنوح الأرض وييبس عشب كل الحقل من شر الساكنين فيها؟" يتحدث النبي هنا كما لو كانت الأرض كائنًا حيًا، حيث يقول إنها تنوع من شر الذين يمشون فوقها.

الأرض بالنسبة لكل واحد منا تكون إما نائحة بسبب شرنا، وإما متهللة بسبب فضائلنا. وما يقال بالنسبة للأرض يقال بلا شك بالنسبة لكل الأشياء. فبالمثل يمكنني أن أقول: أن الماء والملاك المسئول عنه يتهللون أو ينوحون؛ فيجب علينا أن نعرف أنه حتى يتم تنظيم وإدارة الكون كله، يوجد ملاك مسئول عن الأرض، وآخر مسئول عن الماء، وآخر عن الهواء وآخر عن النار[3]. ارتفع بعقلك[4] لتتأمل النظام السائد عند الحيوانات والنباتات والكواكب السمائية؛ فإنه يوجد ملاك مسئول حتى عن الشمس وآخر مسئول عن القمر وأخرىن عن النجوم[5].

كل هؤلاء الملائكة الذين يرافقوننا طوال حياتنا على الأرض، إما أنهم يفرحون لنا أو ينوحون عندما نخطئ.

يقول إرميا أن الأرض تنوح بسبب الساكنين فيها: ويقصد بكلمة "أرض" أي الملاك الساكن فيها، فإنه أيضًا قيل: "أما الخشب المصنوع صنمًا فملعون هو وصانعه" (حك 14: 8)، ليس أن اللعنة تقع على الشيء الجامد نفسه، وإنما يقصد بكلمة "صنمًا" أي الشيطان الساكن فيه، والذي يتخذ من "الصنم" اسمًا له. وبنفس الطريقة أستطيع أن أقول أن "الأرض" يقصد بها الملاك المسئول عن الأرض، و"الماء" الملاك المسئول عن الماء، والذي كتب عنه: "أبصَرَتَك المياه يا الله أبصرتك المياه ففزعت. ارتعدت أيضًا اللجج. سكبت الغيوم مياهًا أعطت السحب صوتًا. أيضًا سهامك طارت" (مز 77: 17-18).

7. "قد تركت بيتي. رفضت ميراثي. دفعت حبيبة نفسي ليد أعدائها" (ار 12: 7). لاحظ إذًا أن ذلك هو في "صورة الله" (فيلبى 2: 6) جالس في السموات، وانظر إلى بيته الذي يفوق السموات، ولو أردت أن ترى أيضًا ما هو أعظم وأعلى وأعلى من ذلك، فإن بيته هو الله "لأني في الآب" (يو 14: 11). "لقد ترك أباه وأمه" (مت 19: 5). ترك أورشليم السمائية وجاء إلى الأرض، قائلا: "قد تركت بيتي. رفضت ميراثي".

كان ميراثه في الواقع في الأماكن التي توجد فيها الملائكة والصفوف التي توجد فيها القوات المقدسة.

"دفعت حبيبة نفسي (نفسي الحبيبة) ليد أعدائها". دفع نفسه لأيدي أعداء النفس، لأيدي اليهود الذين قتلوه، لأيدي الملوك والرؤساء المجتمعين ضده، فإنه: "قام ملوك الأرض وتآمر الرؤساء معًا على الرب وعلى مسيحه" (مز 2: 2).

8. "صار لي ميراثي كأسد في الوعر". انقلب هذا "الميراث" الذي أخذه على الأرض ضده مثل وحش مفترس، وتحول "ميراثه" إلى مجموعة من اليهود الشرسين الهائجين ضده مثل "أسد في الوعر". لا عجب إذًا أن يصير ميراثه حينذاك "كأسد في الوعر".

الآن أيضًا توجد أسود في الوعر يريدون أن يجدفوا على السيد المسيح، كما يتآمرون على الذين يؤمنون به.

"صار لي ميراثي كأسد في الوعر. نطق علىّ بصوته. من أجل ذلك أبغضته. جارحة ضبع ميراثى لي"، ما زال يتنبأ على هذا الميراث: "جارحة ضبع ميراثي لي".

جارحة الضبع من أشرس الحيوانات، تحوم حول المقابر لتفترس الجثث. "الجوارح حواليه عليه. هلم اجمعوا كل حيوان الحقل إيتوا بها للأكل". بما أنهم قد وصلوا إلى هذه الدرجة، فأنني آمركم أيها الملائكة أن تذهبوا وتجمعوا كل الحيوانات المفترسة وأن تطرحوا أمامهم هؤلاء الناس.

إذا كان الله لم يشفق على شعبه المختار، فكم بالأكثر لا يشفق علينا نحن أيضًا.  

إننا إذا لم ننفذ وصية الله وكلام الإنجيل سوف يقول من جديد: هلم اجمعوا كل حيوان الحقل إيتوا بها للأكل"، ولكننا نتجرأ لنقول في صلواتنا: "لا تُسَلِم للوحش نفس يمامتك" (مز 74: 19)، أو "لا تسلم للوحوش المفترسة النفس التي تعترف لك بخطاياها". فالنعترف إذًا بخطايانا تائبين عنها، فلا نُسلَّم للوحوش، وإنما للملائكة القديسين الذين سيكونون بمثابة مرضعين لنا، يحملون على صدورهم ويساعدوننا على العبور من هذا العالم إلى العالم الآتي في يسوع المسيح الذي له القوة والمجد إلى الأبد آمين.


 


[1]  "البناءون" هم الرسل، لأنهم أسسوا الكنيسة. ويقصد أوريجانوس بكلمة "أولادهم" أو "خلفائهم" الوعاظ والمرشدين أكثر منهم الأساقفة والمطارنة.

[2]  الذين يعتبرون الإله الذي خلق العالم مختلف عن الله وأقل منه شأنًا. وهم الهراطقة المذكورين في العبارة التالية.

[3]  هذه الفكرة توجد عند الفلاسفة، وكذلك في الأبوكريفة اليهودية (Jubilés 2,2)

[4]  "ارتفع بعقلك" في سلم الكائنات: فبعد الأشياء المادية تأمل المخلوقات الحية، ثم ارتفع إلى الكواكب السماوية.

[5]  يفكر أوريجانوس مثل بقية الفلاسفة الذين كانوا في عصره أن الكواكب حية، وترجع حياتها إلى ملاك يسكن في كل كوكب منها.